حسن بن عبد الله السيرافي
132
شرح كتاب سيبويه
فإن قال قائل : فهلا جعلوا الألف للنصب في التثنية والواو له في الجمع وأسقطوا الرفع وألحقوه بالجر ؟ قيل له : إن الرفع له المرتبة الأولى فلا بد له من علامة تسبق إليه على النحو الذي تكون فيه حركته وتلك العلامة الواو ، وقد أمكن فيها الفصل على ما وصفنا فلم تكن بنا حاجة إلى إسقاطه وإلحاقه بغيره . واعلم أن الألف والياء في التثنية والواو والياء في الجمع عند جمهور مفسري كتاب سيبويه هن حروف الإعراب بمنزلة الدال من زيد والراء من جعفر والألف من قفا وعصا . واحتجوا في ذلك بحجج ، منها : أنهم قالوا : حكم الإعراب أن يدخل الكلمة بعد دلالتها على معناها ؛ لاختلاف أحوالها في فعلها ، ووقوع الفعل بها ، وغير ذلك من المعاني ومعنى ذاتها واحد ، ألا ترى أنك تقول : " مررت بالرجل " و " رأيت الرجل " ، و " هذا الرجل " ، فمعنى " الرجل " واحد في هذه الأحوال ، واختلف إعرابه لاختلاف ما يقع منه وبه ، فلما كان الواحد دالا على مفرد وبزيادة حرف التثنية دل على اثنين ، كان حرف التثنية من تمام صيغة الكلمة للمعنى الذي وضعت له فصارت الألف بمنزلة الهاء في " قائمة " ، والألف في " حبلى " ، لأن الهاء والألف زيدتا لمعنى التأنيث ، كما زيد حرف التثنية لمعنى التثنية : قالوا : فإن قال قائل : إذا كانت هذه الحروف هي حروف الإعراب ، كالألف في " حبلى " والنصب والهاء في " قائمة " وغير ذلك من الحروف التي هي أواخر الكلمة ، فينبغي أن لا يتغيرن في حال الرفع والجر ، لأن حروف الإعراب لا تتغير ذواتها في هذه الأحوال . فالجواب في ذلك أن التثنية والجمع خاصة ينفردان بها ، فاستحقا من أجلها التغيير وهي أن كل اسم معتل لا تدخله الحركات فله نظير من الصحيح تدخله الحركات نحو قفا وعصا وحبلى وسكرى ، نظير قفا وعصا جبل وجمل ، ونظير ألف التأنيث في حبلى وسكرى حمراء وفقهاء . لأن هذه الهمزة في حمراء وفقهاء هي ألف التأنيث ، والتثنية وجمع السلامة لا نظير لواحد منهما إلا تثنية أو جمع فامتنع التثنية والجمع من نظير يدل إعرابه على مثل إعرابهما ، كدلالة جمل وجبل وحمراء وفقهاء ، على إعراب أمثالهن من المعتل فعوض التثنية والجمع من فقد النظير الدال على مثل إعرابهما تغيير الحروف فيهما .